علي محمد علي دخيل

745

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وإنما أنزل هذا لما قالوا : لو نعلم أي الأعمال أفضل وأحب إلى اللّه لعملناه ، فجعل اللّه سبحانه ذلك العمل بمنزلة التجارة لأنهم يربحون فيها رضى اللّه ، والفوز بالثواب ، والنجاة من العقاب ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي ما وصفته وذكرته لكم أنفع لكم وخير عاقبة لو علمتم ذلك واعترفتم بصحته ، وقيل إن معناه : ان التجارة التي دللتكم عليها خير لكم من التجارة التي أنتم مشتغلون بها لأنها تؤدي إلى ربح لا يزول ولا يبيد ، وهذه تؤدي إلى ربح يزول ويبيد ، إن كنتم تعلمون مضار الأشياء ومنافعها . يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً أي مواضع تسكنونها مستلذة مستطابة فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة لا تبغون عنها حولا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لا ما يعدّه الناس فوزا من طول البقاء ، وولاية الدنيا وَأُخْرى تُحِبُّونَها أي وتجارة أخرى ، أو خصلة أخرى تحبونها عاجلا مع ثواب الآجل ، وهذا من اللّه تعالى زيادة ترغيب إذ علم سبحانه أن فيهم من يحاول عاجل النصر إما رغبة في الدنيا وإما تأييدا للدين ، فوعدهم ذلك بأن قال نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ أي تلك الخصلة أو تلك التجارة نصر من اللّه لكم على أعدائكم ، وفتح قريب لبلادهم ، يعني النصر على قريش وفتح مكة عن الكلبي وقيل : يريد فتح فارس والروم وسائر فتوح الإسلام على العموم عن عطاء ، وقريب معناه : قريب كونه وقيل : قريب منكم يقرب الرجوع منه إلى أوطانكم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي بشرهم بهذين الثوابين عاجلا وآجلا على الجهاد ، وهو النصر في الدنيا ، والجنة في العقبى . ثم حضّ سبحانه المؤمنين على نصرة دينه فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ أي أنصار دينه ، وأعوان نبيه ، وإنما أضاف إلى نفسه كما يقال للكعبة : بيت اللّه ، وقيل لحمزة بن عبد المطلب : أسد اللّه والمعنى : دوموا على ما أنتم عليه من النصرة كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي مثل قول عيسى بن مريم للحواريين وهم خاصة الأنبياء ، وسموا بذلك لأنهم أخلصوا من كل عيب عن الزجاج وقيل سموا بذلك لبياض ثيابهم وقيل : لأنهم كانوا قصارين مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ والمعنى : قل يا محمد إني أدعوكم إلى هذا الأمر كما دعا عيسى قومه فقال : من أنصاري مع نصرة اللّه إياي ؟ وقيل : إلى اللّه ، أي فيما يقرب إلى اللّه كما يقال : اللهم منك وإليك قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أي أنصار دين اللّه ، وأولياء اللّه وقيل : إنهم إنما سموا نصارى لقولهم نحن أنصار اللّه فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي صدقت بعيسى وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ أخرى به قال ابن عباس : يعني في زمن عيسى ( ع ) ، وذلك أنه لما رفع تفرق قومه ثلاث فرق : فرقة قالت : كان اللّه فارتفع ، وفرقة قالت : كان ابن اللّه فرفعه إليه ، وفرقة قالوا : كان عبد اللّه ورسوله فرفعه إليه ، وهم المؤمنون ، واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس فاقتتلوا وظهرت الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرين وذلك قوله فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ أي عالين غالبين وقيل معناه : أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم بأن عيسى كلمة اللّه وروحه ، عن إبراهيم وقيل : بل أيّدوا في زمانهم على من كفر بعيسى عن مجاهد وقيل معناه : فآمنت طائفة من بني إسرائيل بمحمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وكفرت طائفة به فأصبحوا قاهرين لعدوهم بالحجة والقهر والغلبة . سورة الجمعة مدنية وآيها احدى عشرة آية